صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

389

شرح أصول الكافي

ولكن يجب ان يعلم : ان حقيقة الروح ليست مما يمكن تحديده ، لأنها ذات درجات ومقامات ليس لها حدّ واحد ، وهذا الأرواح البشرية كسرج اقتبست من نار عظيمة ، ثم بين هذه الأرواح تفاوت عظيم وكذا بين أرواح الملائكة ، فلكل منهم مقام معلوم . وكما أن أجساد الآدميين صغيرة بالقياس إلى اجرام الكواكب والسماوات فكذلك - فافهم وتحقق - ان الأرواح البشرية قبل ان تستكمل وترتقي إلى سائر الدرجات ، حقيرة بالإضافة إلى أرواح الملائكة ، كاجسادهم بالإضافة إلى أجساد العالم ، ولأرواح الملائكة ترتيب وكل منهم منفرد برتبة ولا يجتمع في مرتبة واحدة اثنان ، بخلاف الأرواح المتكثرة البشرية ، فانّ جميعها في بداية الفطرة في حدّ واحد ، وبعد الترقي والاستكمال أيضا قد يكون عدة منها متساوية مختلفة بالهيئات والعوارض المشخصة . واما الأرواح الملائكة : فكل واحد نوع برأسه هو كلّ ذلك النوع وكليه ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ « 1 » ، وبقول النبي صلّى اللّه عليه وآله : ان الراكع منهم لا يسجد والساجد « 2 » منهم لا يركع ، وانه ما من واحد الّا وله مقام معلوم . ثم من الأرواح الانسانية من قال : كنت نبيا وآدم بين الماء والطين ، وقوله صلّى اللّه عليه وآله : لي مع اللّه وقت . . . الحديث ، فمع هذا التفاوت والاختلاف كيف يمكن تحديد ماهية الروح أو تعريفها الّا بما وقع في القرآن من قوله تعالى : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي « 3 » ؟ قوله عليه السلام : وانّما اضافه إلى نفسه لانّه اصطفاه على سائر الأرواح ، لما ذكر عليه السلام أوّلا : انّ الرّوح شيء متحرك كالريح وانّها مجانس للرّيح ، فكأنه ورد السؤال بانّها مع هذه الصّفة يعني الحركة والمجانسة للرّيح كيف يضاف إلى اللّه تعالى في قوله : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي * « 4 » ؟ فان كانت النسبة إليه لان وجودها به ومنه ، فجميع الأشياء وجودها حاصلة به تعالى ومنه ؟ وقد نسب البشر إلى الطّين فقال : إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ « 5 » ،

--> ( 1 ) - الصافات 165 و 166 . ( 2 ) - والقائم . النسخة البدل . ( 3 ) - الاسراء 85 . ( 4 ) - الحجر 29 . ( 5 ) - ص 71 .